ابو البركات
357
الكتاب المعتبر في الحكمة
اليقين . فنقول ولا هي الروح الموجود في البدن ولا الدم على ما ظنه من ظن لان كلا منهما جسم ومع كونه جسما فهو صغير لا يسع لما تسع له النفس ولا يسير منه فكيف ان يكون عرضا فيهما ولا هي المزاج فان المزاج مجموع اعراض هي كيفيات الممتزج فهي اعراض في الممتزج الذي هو البدن وروحه واخلاطه . وهذا الاحتجاج هو احتجاج أفلاطون على أن النفس من الجواهر غير الجسمانية وهو احتجاج حسن الا انه جزئي القضية لا كليها فإنه يمنع أن تكون عرضا في هذا البدن المنسوب إليها ولا يمنع عرضيتها مطلقا . اما الذين منعوا أن تكون عرضا موجودا في الموضوع وقالوا إنها من الجواهر التي وجودها لا في موضوع لكنها ليست بجسم وحدوها بأنها جوهر غير جسماني محرك للبدن . فاحتجوا على ذلك بان قالوا إن القوى الجسمانية المدركة في الحواس الظاهرة والباطنة بآلاتها الجسمانية تستضر افعالها بما ينال آلاتها من الضرر فتضعف أو تتشوش أو تبطل وليس كذلك النفس ( الناطقة - « 1 » ) وبان القوى الجسمانية المذكورة لا تدرك ذواتها وآلاتها والنفس الناطقة التي هي عقل الانسان تعقل ذاتها والبدن الذي هو آلتها وسائر اجزائه وأعضائه التي هي آلات خاصة لكل صنف من افعالها . وبان النفس الناطقة التي هي محل المعقولات لو كانت قوة جسمانية لحلت معقولاتها الجسم الذي هو محلها فامتنع عليها ادراك المتضادين وجمعهما في التصور معا ونفس الانسان تعقل المتضادين معا وتقيس أحدهما إلى الآخر وتحكم عليهما وفيها بما يلزمهما معا من الإضافة والضدية والمناسبة والمباينة التي لا تلزم أحدهما دون الآخر لكن بالآخر ومعه وعنه فليست من القوى الجسمانية . وبان النفس الناطقة أيضا تعلم العلم المجرد الكلى الذي لا ينقسم فلو كانت جسمانية لقد كان العلم الكلى يحل محلها الذي هو الجسم المنقسم وما لا ينقسم لا يحل في منقسم . وبان الأجسام وقواها تنفعل بما يتصور فيها من الصور العقلية والنفس الناطقة تفعل ذلك حيث تستخرج النتائج من المقدمات وتعقل حكم
--> ( 1 ) من صف .